محمد متولي الشعراوي

1770

تفسير الشعراوى

ونحن نرى هذه الحكاية عندما يضعون أي معدن في النار ، فإن المعدن ينصهر ويصير كالعجينة وتخرج منه فقاقيع ونحن نسميها خبث المعدن ، وعندما نخرج الخبث من المعدن فإنه يصير قويا ، إذن فالنار قد صهرت المعدن ، وأخرجت منه الخبث الضار فيه ، أو الذي يجعله لا يؤدى مهمته بكفاءة عالية ، فأنا قد أصنع من الحديد درعا قوية أو أريد أن أستخرج منه الصلب ، وهذه العمليات معناها أننا نصهر الحديد بالنار لنزيل خبثه ليزداد قوة . وكذلك الذهب والفضة ساعة نريد أن نخلصهما من هذه الآثار فإننا نصهرهما لنخرج منهما الأشياء الخارجة عنهما أي التي تختلط بهما وتشوبهما وهي ليست منهما . لماذا إذن يا ربّى هذا التمثيل الحسى في المياه ؟ والحلية التي لا تؤدى ضرورة ، والمتاع وهو الذي يؤدى ضرورة ؟ إنه سبحانه يقول : « كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ » . إن الحق كالماء ، والحق كالنار ، والماء يحمل الزبد الرابى بعيدا عن مسام الأرض ، والنار تخرج الزبد والخبث من المعادن ، وتجعل المعادن خالصة للمنفعة المطلوبة لنا ، كذلك يضرب اللّه الحق والباطل : « فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً » . وجفاء أي مطروحا مرميا ، « وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ » . ذلك هو صراع الحق والباطل في المبادئ والقيم ويصوره اللّه في الأمور المادية . ومن العجيب أنه يصوره بمتناقضين ولكنهما متناقضان يؤديان مهمة واحدة ، ماء ونار ، فإياك حين ترى شيئا يناقض شيئا أن تقول : هذا يناقض ذاك ، لا . لأن هذا الشئ مطلوب لمهمة ، وذاك الشئ مطلوب لمهمة أخرى . إذن فقول الحق سبحانه : « قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ » هو لفت لنا إلى صراع الحق مع الباطل ، وأن الإنسان قد يرى الباطل مرة وله فورة وعلو ، ونقول : هذا إلى جفاء . وهذه سنة من سنن الحياة . وإن أردتم أن تتأكدوا منهما ، فالتفتوا إلى دقة قول الحق تعالى : « فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ » .